قال موقع "ميدل إيست فوروم"، إن تحليلاً جديد للأقمار الصناعية، نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 17 سبتمبر الجاري كشف عن تحول حاسم في الموقف العالمي. فقد خضعت القاعدة العسكرية الصينية الوحيدة المعترف بها في الخارج، والواقعة في دوراليه بجيبوتي، لتحديثات تقنية كبيرة.
وتضم القاعدة الآن مصفوفات هوائيات عالية التردد، ومعدات اتصالات فضائية متطورة، وأبراج اتصالات يُحتمل أن تدعم تقنية الجيل الخامس. وتقع القاعدة على بُعد أقل من عشرة أميال من منشآت عسكرية أمريكية وفرنسية وإيطالية ويابانية رئيسة، ويُعتقد أن هذه التحديثات ستعزز قدرات جيش التحرير الشعبي الصيني في مجال الاتصالات، وتُمكّنه من جمع المزيد من المعلومات الاستخباراتية في المنطقة، بحسب التقرير.
ورأى أن هذا التوسع التكنولوجي يكشف عن حقيقة أوسع نطاقًا لم يعد بإمكان صانعي السياسات الغربيين تجاهلها. إذ تُحوّل بكين وجودها الاقتصادي والدبلوماسي الراسخ حول البحر الأحمر إلى بصمة أمنية واستخباراتية أكثر تأثيرًا.
بصمة بحرية واستخباراتية صينية أوسع
ولسنوات، تعاملت الخطط الاستراتيجية الغربية مع النشاط الصيني في المنطقة من منظور تجاري بحت: امتيازات الموانئ، وقروض البنية التحتية، والاستثمارات الصناعية. أما اليوم، فقد باتت هذه الجوانب الفردية مرتبطة بشكل متزايد ببصمة بحرية واستخباراتية صينية أوسع، كما يقول التقرير.
وينظر إلى التوقيت باعتباره يعكس استجابةً ذكيةً للاضطرابات الإقليمية. فعلى مدى العامين الماضيين، أدت الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي شنتها قوات الحوثيين المدعومة من إيران إلى تعطيل حركة الملاحة التجارية عبر مضيق باب المندب بشكلٍ كبير.
وكشف عدم الاستقرار في الوقت ذاته عن ضعف الصين أمام الاضطرابات البحرية، وأتاح لها فرصةً لتقديم نفسها كمُؤمِّن للأمن البحري والاستقرار الإقليمي. فبينما تنفق القوات البحرية الغربية مبالغ طائلة على صواريخ اعتراضية لحماية الشحن التجاري، تُرسِّخ الصين مكانتها كفاعل أمني دائم في المياه الأفريقية والشرق أوسطية.
الاستراتيجية الصينية
وبحسب التقرير، تستند هذه الاستراتيجية إلى أساس واضح من ثلاثة أجزاء: البنية التحتية الاستخباراتية، والتدريبات العسكرية العملياتية المقترنة بالدبلوماسية رفيعة المستوى، وتوسيع العلاقات الدفاعية الإقليمية.
تقع جيبوتي، الركيزة التكنولوجية، في قلب هذا التواجد المتنامي. توفر منشآت القيادة والسيطرة والاتصالات والحوسبة والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الجديدة في دوراليه للمشغلين الصينيين وعيًا عملياتيًا معززًا، مما قد يحسن قدرة الصين على جمع المعلومات حول النشاط العسكري الإقليمي والاتصالات عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
في الطرف الشمالي للممر، تعزز بكين علاقاتها مع القاهرة. فبين أغسطس وسبتمبر 2026، أجرت الصين ومصر مناوراتهما الجوية المشتركة الثانية "نسور الحضارة"، والتي تضمنت تكتيكات قتالية جوية ومناورات لتحقيق التفوق الجوي.
وأظهرت زيارة الرئيس شي جين بينج لمصر في الثاني من سبتمبر، بشكلٍ حاسم، أن هذا الجهد يتجاوز بكثير التدريبات التكتيكية أو الاستثمارات التجارية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وخلال زيارته للقاهرة، دعا شي إلى وضع إطار أمني جديد للشرق الأوسط، واتفق مع (قائد الانقلاب) عب الفتاح السيسي على تعميق التعاون في مجالي الأمن ومكافحة الإرهاب. وكانت هذه الرسالة ذات دلالة بالغة، إذ تقع مصر على المدخل الشمالي للبحر الأحمر، بينما يقع الوجود العسكري الصيني في جيبوتي على مدخله الجنوبي.
في الوقت ذاته، تعمل الصين على ترسيخ علاقاتها الدفاعية في جميع أنحاء شرق أفريقيا. ففي منتدى السلام والأمن الصيني الأفريقي الرابع الذي عُقد في 17 سبتمبر، دعا وزير الدفاع الصيني دونج جون صراحةً ممثلي الاتحاد الأفريقي و41 دولة أفريقية إلى تعميق التنسيق الاستراتيجي، وتوسيع نطاق العمليات الأمنية البحرية المشتركة، وتعزيز بناء القدرات الدفاعية. وعلى هامش تلك القمة، التقى وزير الدفاع الصومالي مع دونج جون لمناقشة توسيع التعاون الدفاعي والأمني، بما يُكمّل الانتشار البحري الصيني المنتظم في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية.
تحديات استراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة
ويقول التقرير إن هذه الشبكة المتشابكة تُشكّل تحديات استراتيجية فورية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة. فبالنسبة لإسرائيل، يُوسّع الوجود الصيني المتزايد نطاق استخبارات بكين على طول الممر البحري الجنوبي الحيوي المؤدي إلى ميناء إيلات وخليج العقبة. وبينما تُحافظ بكين على علاقات دبلوماسية في جميع أنحاء المنطقة، فإن قدرتها المُوسّعة على المراقبة قرب باب المندب قد تُتيح للاستخبارات الصينية رؤية أوضح لديناميكيات الأمن الإقليمي، مما قد يُعقّد الأمن العملياتي الغربي والإسرائيلي خلال الأزمات.
بالنسبة للولايات المتحدة، يرى أن شبكة الاستخبارات الإلكترونية الصينية المتنامية تُثير مخاوف فورية تتعلق بمكافحة التجسس، نظرًا لقرب أنظمة التنصت الصينية المُطوّرة من معسكر ليمونير في جيبوتي. علاوة على ذلك، في حال وقوع طارئ عالمي كبير، كأزمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن تعزيز قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الصينية حول البحر الأحمر قد يُعقّد حماية القوات الأمريكية، وفهمها للوضع، وتحركاتها البحرية في جميع أنحاء المنطقة.
وشدد التقرير على أنه يجب على واشنطن وحلفائها الإقليميين التوقف عن تقييم المبادرات الصينية بمعزل عن بعضها. فبرج الأقمار الصناعية في جيبوتي، والتدريبات الجوية في مصر، والمقترح الصيني لإطار أمني إقليمي جديد في القاهرة، وقمة الدفاع في بكين، ليست أحداثًا منفصلة. بل تكشف مجتمعةً عن تواجد أمني صيني متزايد حول ممرات الشحن العالمية الحيوية.
ولمواجهة هذا التوجه، يقول إنه يتعين على الولايات المتحدة وإسرائيل وشركائهم الإقليميين صياغة استراتيجية موحدة من خلال تقديم بدائل دفاعية وبنية تحتية فعّالة لدول شرق أفريقيا، وتعزيز التحالفات البحرية متعددة الأطراف، والبقاء على أهبة الاستعداد لمواجهة التوسع الاستخباراتي الصيني.
وخلص التقرير إلى أنه إذا استمر الغرب في التركيز فقط على الاستجابات التكتيكية لنقاط الأزمات الإقليمية متجاهلاً التوسع الاستراتيجي المطرد لبكين، فسيصبح البحر الأحمر ساحةً يصعب على الغرب تجاهل النفوذ الصيني فيها.
https://www.meforum.org/mef-online/china-is-turning-the-red-sea-into-a-new-security-front

